سيد محمد طنطاوي
206
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وألقيت حركتها على القاف . . فتقول : * ( قَرْنَ ) * - بالفتح للقاف - « 1 » . والمعنى : الزمن يا نساء النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بيوتكن ، ولا تخرجن منها إلا لحاجة مشروعة ، ومثلهن في ذلك جميع النساء المسلمات ، لأن الخطاب لهن في مثل هذه الأمور ، هو خطاب لغيرهن من النساء المؤمنات من باب أولى ، وإنما خاطب - سبحانه - أمهات المؤمنين على سبيل التشريف ، واقتداء غيرهن بهن . قال بعض العلماء : والحكمة في هذا الأمر : أن ينصرفن إلى رعاية شؤون بيوتهن ، وتوفير وسائل الحياة المنزلية التي هي من خصائصهن ، ولا يحسنها الرجال ، وإلى تربية الأولاد في عهد الطفولة وهي من شأنهن . وقد جرت السنة الإلهية بأن أمر الزوجين قسمة بينهما ، فللرجال أعمال من خصائصهم لا يحسنها النساء ، وللنساء أعمال من خصائصهن لا يحسنها الرجال ، فإذا تعدى أحد الفريقين عمله ، اختل النظام في البيت والمعيشة « 2 » . وقال صاحب الظلال ما ملخصه : والبيت هو مثابة المرأة التي تجد فيها نفسها على حقيقتها كما أرادها اللَّه - تعالى - ولكي يهيئ الإسلام للبيت جوه السليم ، ويهيئ للفراخ الناشئة فيه رعايتها ، أوجب على الرجل النفقة ، وجعلها فريضة ، كي يتاح للأم من الجهد ومن الوقت ومن هدوء البال ، ما تشرف به على هذه الفراخ الزغب ، وما تهيء به للمثابة نظامها وعطرها وبشاشتها . فالأم المكدودة بالعمل وبمقتضياته وبمواعيده . . لا يمكن أن تهيء للبيت جوه وعطره ، ولا يمكن أن تهيء للطفولة النابتة فيه حقها ورعايتها . إن خروج المرأة للعمل كارثة على البيت قد تبيحها الضرورة ، أما أن يتطوع بها الناس وهم قادرون على اجتنابها ، فتلك هي اللعنة التي تصيب الأرواح والضمائر والعقول ، في عصور الانتكاس والشرور والضلال « 3 » . وهذه الجملة الكريمة ليس المقصود بها ملازمة البيوت فلا يبرحنها إطلاقا وإنما المقصود بها أن يكون البيت هو الأصل في حياتهن ، ولا يخرجن إلا لحاجة مشروعة ، كأداء الصلاة في المسجد ، وكأداء فريضة الحج وكزيارة الوالدين والأقارب ، وكقضاء مصالحهن التي لا تقضى إلا بهن . . بشرط أن يكون خروجهن مصحوبا بالتستر والاحتشام وعدم التبذل . ولذا قال - سبحانه - بعد هذا الأمر ، * ( ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الأُولى ) * .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 14 ص 178 . ( 2 ) صفوة البيان في تفسير القرآن ج 2 ص 183 . لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف . ( 3 ) في ظلال القرآن ج 22 ص 83 .